الحارث المحاسبي

236

الرعاية لحقوق الله

وكذلك يروي عن الحسن ، قال : لا يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عليه عمله . فمنهم من يزيّن له ما هو فيه فيرى أنه مصيب ؛ ومنهم من تغلبه شهوته بعد علم ومعرفة ، وذلك أنه لما عرض الداعي بما تحب نفسه ولا معرفة ولا ذكر معه قبل الداعي إلى الرياء ، فاعتقد الرياء ، ولما عرض له فعرفه ثم غلبته شهوته فقبله ، ولم ينفه بالكراهة له . فإذا عرض الداعي إلى الرياء فعرف أنه الرياء ثم كرهه نجا منه . وفي ذلك آثار فيها دليل وحجة أن الكراهة والإباء لقبول ما يعرض من الرياء ينتفي بهما الرياء ، ولا يقدر المريد على أكثر من ذلك ، ولم يكلفه اللّه سواه . ومن ذلك : ما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين شكا إليه أصحابه رضي اللّه عنهم فقالوا : يا رسول اللّه يعرض بقلوبنا شئ ، لأن نخرّ من السماء فتخطفنا الطير أو تهوى بنا الرياح في مكان سحيق ، أحبّ إلينا من أن نتكلم به ، فقال : « أوقد وجدتموه ؟ ! ذلك صريح الإيمان » « 1 » . لا يعني الوسواس لكن يعني إباءهم وكراهيتهم لقبوله ، حتى اختاروا أن يخرّوا وينقطعوا ولا يتكلّموا به لكراهتهم له ، فإذا كان الإباء والكراهية ينجيان من الوسواس في اللّه عز وجل فهما من الوسواس في الرياء أنجى وأنجى ، لأن ما كان دافعا للكثير العظيم فهو للقليل الصغير أدفع وأنجى ، وإن كان الرياء

--> ( 1 ) الحديث عن أبي هريرة أخرجه مسلم في الإيمان 1 / 119 ( 132 ) ، وأبو داود في الأدب 4 / 329 ( 5111 ) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص 420 ( 664 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ص 564 ( 1284 ) ، وابن حبان 358 - 362 ( 145 - 149 ) ، وأحمد 2 / 397 ، 441 ، 456 ، والطيالسي ص 316 ( 2401 ) وغيرهم .